بقلم: جون سوبيل
ولاية ترمب الثانية قد تحدث تغييرات جذرية في السياسة الأميركية، مع تعزيز الأجندة الساخنة؛ وسط تحديات قانونية واقتصادية قد تعرقل تنفيذ تلك الأجندة الطموحة
كما درجت العادة مع دونالد ترمب، تظل المبالغة الهزلية الأشبه بالكاريكاتير أسهل الطرق للتفوه بجملة مقصودة من نوع (لقد أنقذني الرب كي أعيد لأميركا عظمتها).
يشكل فوز ترمب بولاية ثانية أحد أعظم أمثلة العودة لمعترك السياسة على الإطلاق، وبعد إحرازه فوزاً ساحقاً على كامالا هاريس في نوفمبر (تشرين الثاني)، يمتلك ترمب جدول أعمال ضخم، وهو على عجلة من أمره لإنجازه.
عند فوزه عام 2016، لم يكن ترمب يعلم شيئاً عن طريقة سير الأمور في واشنطن ولا أدنى فكرة حول الطاقم الذي عليه تعيينه في إدارته الجديدة، وقبل عندها بتوصيات من أشخاص لم يروقوا له كثيراً. ومن باب الإنصاف، يجب أن نضيف بأن كثيرين من بينهم لم يكونوا معجبين به كذلك.
طغى الجهل على المرحلة فعلياً، لكن فيما طبع انعدام الكفاءة عملية الإنجاز في المرة السابقة، نرى الوضع مختلفاً اليوم. وبحسب تعبير أحد المعلقين الأميركيين، (تعلمت الديناصورات اليوم كيف تفتح الأبواب).
إذ بدأ العمل بالفعل بسلسلة الأوامر التنفيذية التي ألمح ترمب إليها في خطاب تنصيبه، ولا شك أن أمام قلمه أياماً مرهقة يسيل فيها حبره تنفيذاً للأمر تلو الآخر، فالرجل جدي.. وكثير من الأميركيين سيكرهون ذلك.
لكن من ناحية أخرى تلك إحدى القضايا التي أوصلته إلى سدة الرئاسة أيضاً. فكل يوم سبت كان ترامب يذيع إعلاناً انتخابياً نبرته قاسية ومباشرة أثناء بث مباريات كرة القدم الأميركية بين فرق الجامعات، ويذيله بشعار (كامالا هاريس تؤيد – هم) [في إشارة إلى إقرار ضمير الجنس الثالث]، والرئيس ترمب يؤيد..، وحققت الرسالة الهدف المرجو منها. أما خطابه في قضيتي الاقتصاد والهجرة، فلعب أيضاً دوراً رئيساً في فوزه.
وقبل أن يسترسل بعض المتابعين باتهامه بزرع الشقاق، تضمن خطابه نقاطاً شمولية كثيرة وملفتة، إذ أدلى به في يوم مارتن لوثر كينغ وتعهد بأن يحقق حلم الرجل الراحل. كما أقر بالدعم الذي حصل عليه من الأميركيين ذوي الأصول اللاتينية ومن العاملين في صناعة السيارات والطبقة العاملة والمدن والمناطق الريفية، وتعهد بأن يحكم لمصلحة كل الأميركيين.
وكاد طرحه بإعادة إحياء عقلية الرجال المغامرين الذين توجهوا غرباً وخاطروا بكل شيء في سبيل فتح أميركا، يفيض برومنسية مؤثرة تدمع لها العين. ثم تحدث ترمب عن أحلام الآباء لأبنائهم وأحلام الأبناء لمستقبلهم، ووعد بأن يؤازرهم. أستطيع أن أتخيل الوقع الإيجابي الذي أحدثته هذه الكلمات في جميع أرجاء الولايات المتحدة.
صحيح أن الأميركيين يفرطون في استخدام عبارة (اللحظة المفصلية)، لكن خلال حقبة التسوية بعد الحرب العالمية الثانية في أميركا، ساد شعور بأنها لحظة من هذا النوع. منح روزفلت الأميركيين (صفقته الجديدة) [التزام رئاسي باستخدام الحكومة كمحرك للانتعاش الاقتصادي] في ثلاثينيات القرن الماضي، وبنى كينيدي وليندون جونسون على هذه السياسات في ستينيات القرن الماضي. وجاءت اللحظة المفصلية التالية على يد ريغان (كما حصل مع تاتشر في المملكة المتحدة) الذي رسخ مذهباً اقتصادياً جديداً سمي النقدية وجاء بالحكومة الصغيرة وخفض الضرائب.
والآن لدينا ترمب بنسخته الثانية.. ستكون حقبة يميل اقتصادها بصورة أكبر إلى المنحى القومي الداخلي، وسنرى أميركا التي تتجنب لعب دور قوة حفظ الأمن في العالم. في عهد ترمب الأول لم تتعد هذه الأمور نطاق الخطاب لكنها اليوم قد تتحقق فعلاً. ويبدو أن الرياح تسير بهذا الاتجاه في معظم أجزاء أوروبا كذلك، إذ إن سياسات وسط اليمين ووسط اليسار في تراجع.
طبعاً، قد يفشل ترمب. فهل تأتي التعريفات الجمركية بالتأثير الذي يتصوره هو؟ وهل تتصدى له بقية دول العالم؟ هل يتمكن من ترحيل ملايين المهاجرين غير الشرعيين بسهولة؟ لن تتأخر التحديات القانونية في الظهور ولن تأتي فرادى. وماذا عن الناتو؟ كلها مواضيع من العيار الثقيل.
كما تظهر بعض التساؤلات اللافتة التي تنتظر الإجابة عنها، حول الاتجاه الذي قد يختاره في مجال سياسات بالغة الأهمية. امتلأت القاعة الدائرية بالمليارديرات الذين مولوه، لكن فوزه بالانتخابات يعزى إلى أعداد وفيرة من المواطنين الذين يعانون حرماناً اقتصادياً، فأي اتجاه سيطبع سياسته المالية؟ هل يساعد هؤلاء المحتاجين أم أصحاب الثروات؟
ويريد الرئيس المحب لشطائر بيغ ماك أن يستلم روبرت إف كينيدي جونيور وزارة الصحة، لكن كينيدي هذا عازم على التصدي لصناع الأطعمة الفائقة المعالجة، إذ يحملهم مسؤولية أزمة البدانة المريعة في الولايات المتحدة، ولا ريب في أن شركات الأغذية سترغب في مقاومته.
في حركة (ماغا) من يريدون إغلاق الأبواب بوجه الأجانب كافة، لكن إيلون ماسك يتصدى لهذا الاتجاه ويقول إنه لو لم تستقطب الولايات المتحدة أفضل المهارات من الخارج فلن تستعيد أميركا عظمتها.
ربما يفشل ترمب، ربما يمر بانتكاسات وإذلال. ولن يخلو العهد من المبالغات والنرجسية، لكن دعونا نبتعد عن السطحية والعجرفة وتسخيف الأمور. سيكون لهذا العهد الرئاسي أهمية كبيرة، وقد يغير حتى نظرتنا إلى العالم.
4
فبراير
هل سيتغير العالم فعلاً في عهد ترمب؟
بقلم: جون سوبيل
ولاية ترمب الثانية قد تحدث تغييرات جذرية في السياسة الأميركية، مع تعزيز الأجندة الساخنة؛ وسط تحديات قانونية واقتصادية قد تعرقل تنفيذ تلك الأجندة الطموحة
كما درجت العادة مع دونالد ترمب، تظل المبالغة الهزلية الأشبه بالكاريكاتير أسهل الطرق للتفوه بجملة مقصودة من نوع (لقد أنقذني الرب كي أعيد لأميركا عظمتها).
يشكل فوز ترمب بولاية ثانية أحد أعظم أمثلة العودة لمعترك السياسة على الإطلاق، وبعد إحرازه فوزاً ساحقاً على كامالا هاريس في نوفمبر (تشرين الثاني)، يمتلك ترمب جدول أعمال ضخم، وهو على عجلة من أمره لإنجازه.
عند فوزه عام 2016، لم يكن ترمب يعلم شيئاً عن طريقة سير الأمور في واشنطن ولا أدنى فكرة حول الطاقم الذي عليه تعيينه في إدارته الجديدة، وقبل عندها بتوصيات من أشخاص لم يروقوا له كثيراً. ومن باب الإنصاف، يجب أن نضيف بأن كثيرين من بينهم لم يكونوا معجبين به كذلك.
طغى الجهل على المرحلة فعلياً، لكن فيما طبع انعدام الكفاءة عملية الإنجاز في المرة السابقة، نرى الوضع مختلفاً اليوم. وبحسب تعبير أحد المعلقين الأميركيين، (تعلمت الديناصورات اليوم كيف تفتح الأبواب).
إذ بدأ العمل بالفعل بسلسلة الأوامر التنفيذية التي ألمح ترمب إليها في خطاب تنصيبه، ولا شك أن أمام قلمه أياماً مرهقة يسيل فيها حبره تنفيذاً للأمر تلو الآخر، فالرجل جدي.. وكثير من الأميركيين سيكرهون ذلك.
لكن من ناحية أخرى تلك إحدى القضايا التي أوصلته إلى سدة الرئاسة أيضاً. فكل يوم سبت كان ترامب يذيع إعلاناً انتخابياً نبرته قاسية ومباشرة أثناء بث مباريات كرة القدم الأميركية بين فرق الجامعات، ويذيله بشعار (كامالا هاريس تؤيد - هم) [في إشارة إلى إقرار ضمير الجنس الثالث]، والرئيس ترمب يؤيد..، وحققت الرسالة الهدف المرجو منها. أما خطابه في قضيتي الاقتصاد والهجرة، فلعب أيضاً دوراً رئيساً في فوزه.
وقبل أن يسترسل بعض المتابعين باتهامه بزرع الشقاق، تضمن خطابه نقاطاً شمولية كثيرة وملفتة، إذ أدلى به في يوم مارتن لوثر كينغ وتعهد بأن يحقق حلم الرجل الراحل. كما أقر بالدعم الذي حصل عليه من الأميركيين ذوي الأصول اللاتينية ومن العاملين في صناعة السيارات والطبقة العاملة والمدن والمناطق الريفية، وتعهد بأن يحكم لمصلحة كل الأميركيين.
وكاد طرحه بإعادة إحياء عقلية الرجال المغامرين الذين توجهوا غرباً وخاطروا بكل شيء في سبيل فتح أميركا، يفيض برومنسية مؤثرة تدمع لها العين. ثم تحدث ترمب عن أحلام الآباء لأبنائهم وأحلام الأبناء لمستقبلهم، ووعد بأن يؤازرهم. أستطيع أن أتخيل الوقع الإيجابي الذي أحدثته هذه الكلمات في جميع أرجاء الولايات المتحدة.
صحيح أن الأميركيين يفرطون في استخدام عبارة (اللحظة المفصلية)، لكن خلال حقبة التسوية بعد الحرب العالمية الثانية في أميركا، ساد شعور بأنها لحظة من هذا النوع. منح روزفلت الأميركيين (صفقته الجديدة) [التزام رئاسي باستخدام الحكومة كمحرك للانتعاش الاقتصادي] في ثلاثينيات القرن الماضي، وبنى كينيدي وليندون جونسون على هذه السياسات في ستينيات القرن الماضي. وجاءت اللحظة المفصلية التالية على يد ريغان (كما حصل مع تاتشر في المملكة المتحدة) الذي رسخ مذهباً اقتصادياً جديداً سمي النقدية وجاء بالحكومة الصغيرة وخفض الضرائب.
والآن لدينا ترمب بنسخته الثانية.. ستكون حقبة يميل اقتصادها بصورة أكبر إلى المنحى القومي الداخلي، وسنرى أميركا التي تتجنب لعب دور قوة حفظ الأمن في العالم. في عهد ترمب الأول لم تتعد هذه الأمور نطاق الخطاب لكنها اليوم قد تتحقق فعلاً. ويبدو أن الرياح تسير بهذا الاتجاه في معظم أجزاء أوروبا كذلك، إذ إن سياسات وسط اليمين ووسط اليسار في تراجع.
طبعاً، قد يفشل ترمب. فهل تأتي التعريفات الجمركية بالتأثير الذي يتصوره هو؟ وهل تتصدى له بقية دول العالم؟ هل يتمكن من ترحيل ملايين المهاجرين غير الشرعيين بسهولة؟ لن تتأخر التحديات القانونية في الظهور ولن تأتي فرادى. وماذا عن الناتو؟ كلها مواضيع من العيار الثقيل.
كما تظهر بعض التساؤلات اللافتة التي تنتظر الإجابة عنها، حول الاتجاه الذي قد يختاره في مجال سياسات بالغة الأهمية. امتلأت القاعة الدائرية بالمليارديرات الذين مولوه، لكن فوزه بالانتخابات يعزى إلى أعداد وفيرة من المواطنين الذين يعانون حرماناً اقتصادياً، فأي اتجاه سيطبع سياسته المالية؟ هل يساعد هؤلاء المحتاجين أم أصحاب الثروات؟
ويريد الرئيس المحب لشطائر بيغ ماك أن يستلم روبرت إف كينيدي جونيور وزارة الصحة، لكن كينيدي هذا عازم على التصدي لصناع الأطعمة الفائقة المعالجة، إذ يحملهم مسؤولية أزمة البدانة المريعة في الولايات المتحدة، ولا ريب في أن شركات الأغذية سترغب في مقاومته.
في حركة (ماغا) من يريدون إغلاق الأبواب بوجه الأجانب كافة، لكن إيلون ماسك يتصدى لهذا الاتجاه ويقول إنه لو لم تستقطب الولايات المتحدة أفضل المهارات من الخارج فلن تستعيد أميركا عظمتها.
ربما يفشل ترمب، ربما يمر بانتكاسات وإذلال. ولن يخلو العهد من المبالغات والنرجسية، لكن دعونا نبتعد عن السطحية والعجرفة وتسخيف الأمور. سيكون لهذا العهد الرئاسي أهمية كبيرة، وقد يغير حتى نظرتنا إلى العالم.
Share this post
RELATED
Posts
لماذا نطالب العلويين بالاعتذار؟
By
الأسد الصغير.. والولادة من رحم جريمة قتل
By
رسالة تهنئة للرئيس أحمد الشرع
By